الاثنين، 19 أغسطس 2002

لماذا تم تسريب عرض لوران مورافيتش إلى صحيفة الــ«واشنطن بوست» بعد شهر من تاريخه



الاحـد 10 جمـادى الثانى 1423 هـ 18 اغسطس 2002 العدد 8664
جريدة الشرق الأوسط

عندما يقود المجانين العميان!

راجح الخوري

لن تتوقف العقول الصهيونية الناشطة في كواليس السياسة الاميركية عن تشويه صورة العرب والمسلمين، عن محاولات تدمير تاريخ كامل من العلاقات الجيدة، لا بل الممتازة بين واشنطن وعواصم منطقة الشرق الأوسط والخليج.

 وبرغم وضوح الاهداف المبيتة وراء هذه العملية المنظمة فإن ضجيج طبول الحرب ضد الارهاب حال ويحول حتى الآن دون انكشاف حاسم ونهائي يضع حداً لهذا التخريب المتمادي الذي ليس هو في مصلحة العرب ولا في مصلحة اميركا.

 وإذا كانت العلاقات الاميركية ـ السعودية تشكل كما هو معروف نموذجا ممتازا للتعاون والتفاهم يعود تاريخه الى ستة عقود، فقد كان من المثير تماما ان تتعرض هذه العلاقات لمحاولة تخريب جديدة على يد رجل واحد، أو لنقل عقل تخريبي واحد، وجد البقية المناسبة والاجواء الملائمة، التي ساعدته على دس تقرير مفعم بالتجني والاتهامات، سارعت الادارة الاميركية بمستوياتها المختلفة قبل عشرة أيام الى نفيه والتنصل منه.

 انه أحد المستشارين السابقين في وزارة الدفاع الفرنسية التي تولت الدوائر الصهيونية نقله للعمل وراء كواليس السياسة الاميركية. وهو لوران مورافيتش الصهيوني المتحمس الى درجة انه لم يتردد في احدى محاضراته قبل نحو من ثلاثة أشهر في انكار وجود ما يسمى فلسطين في تاريخ الشرق الأوسط! كان التقرير في العاشر من تموز (يوليو) عندما وقف مورافيتش في اطار النقاشات الجارية في الدوائر ومؤسسات الابحاث حول ضرب العراق. وقرأ نصا مسموما أمام مؤسسة «راند كوربوريشن» أُعد لمصلحة «لجنة السياسة الدفاعية» لكنه لم يشر عمليا الى العراق وما يتصل بالمناقشات الجارية حول توجيه ضربة الى نظام صدام حسين، بل انصب على المملكة العربية السعودية موجها اليها سلسلة من الافتراءات والاتهامات وصلت الى حد القول انها «نواة الشر والمحرك الاولي والخصم الاخطر» للولايات المتحدة الاميركية.

 وبعدما دعا مورافيتش واشنطن الى مطالبة المملكة «بوقف تمويل فروع المؤسسات الاسلامية في كل انحاء العالم (...) ووضع حد لتصرفاتها المعادية للاميركيين والاسرائيليين (...) وملاحقة وتحييد المتورطين في السلسلة الارهابية» اقترح ان تستهدف الولايات المتحدة آبار النفط في المملكة وان تصادر الاستثمارات السعودية في الخارج! وقبل الحديث عن زوبعة الاعتذارات الرسمية الاميركية وعن حملة التصريحات والتوضيحات التي اعقبت الكشف عن مضمون تقرير مورافيتش، يجب في الواقع طرح مجموعة من الاسئلة أهمها:

 أولاً: من هي المؤسسة التي استمعت الى التقرير؟

 انها «راند كوربوريشن» وهي مؤسسة ابحاث خاصة تعد ابحاثا ودراسات في الشؤون الامنية المتصلة بالولايات المتحدة تحديدا، ولقد كان لها تأثير كبير في صياغة ما يتصل بالمفاهيم الرسمية الاميركية للقضايا الامنية، لكن من المعروف انها عريقة تماما في تبني وجهات النظر الاسرائيلية والصهيونية، وفي هذا الاطار سبق ان لعبت دورا كبيرا في صياغة مفهوم «الارهاب الدولي» مطلع السبعينات، على خلفية سعي واضح تماما الى وصف العمل الفدائي الفلسطيني ضد اسرائيل بأنه يشكل ارهابا دوليا.

 وهذه المؤسسة بالتحديد هي التي تولت تسويق الشعار الذي اطلقه شمعون بيريس والذي كان يقول: «بيروت عاصمة دولية للارهاب»، والذي افضى الى اجتياح لبنان في السادس من حزيران (يونيو) 1982. وهي اي «راند كوربوريشن» التي وضعت الصياغة الاولى للقيود التي فرضتها اميركا على تصدير التكنولوجيا الغربية المتقدمة حتى الى حلفاء اميركا الاطلسيين بحجة الحيلولة دون تسرب هذه التكنولوجيا الى الاتحاد السوفياتي آنذاك.

 وهكذا فإن تاريخ هذه المؤسسة البحثية يدل تماما على سياساتها وميولها، فهي واحدة من مؤسسات كثيرة يديرها اللوبي الصهيوني أو يملك على الاقل صوتا مؤثرا في اتجاهاتها، الى درجة ان تقاريرها وابحاثها ركزت دائما على بث وترويج وجهات النظر التي تخدم اسرائيل داخل الادارات الاميركية.

 ثانياً: من هي «لجنة السياسة الدفاعية» التي أُعد التقرير لمصلحتها؟

 انها في الواقع لجنة جديدة تم استحداثها مع مجيء جورج بوش لمهمات استشارية خاصة، بمعنى انها غير رسمية وليس في اعضائها اي من موظفي الادارة الاميركية، لكنها تملك منفذا ملائما الى اسماع جورج بوش لأنها تضم عددا كبيرا من المسؤولين السابقين الموالين للحزب الجمهوري اي حزب الرئيس. ابرز هؤلاء رئيسها ريتشارد بيرل، الذي كان مساعدا لوزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي على امتداد ثمانية أعوام هي فترة حكم رونالد ريغان ولايتين شهدتا تصعيدا في عصبة القوة وغطرسة الطغيان كما هو معروف، لقد كان من مسؤوليات بيرل الاشراف على سياسات مكافحة الارهاب الدولي ومراقبة تصدير التكنولوجيا.

 لكن «المأثرة» الأساسية التي يجب ان نتوقف عندها لكي نفهم أكثر وأكثر دوافع التقرير المعادي للمملكة العربية السعودية، هي انه بينما كان بيرل يشغل منصب مساعد أحد اعضاء مجلس الشيوخ، فتحت المباحث الفيدرالية تحقيقا معه على خلفية اتهامه بالتجسس لاسرائيل، لكن المفاجأة ان هذا التحقيق أقفل بأمر مباشر من البيت الابيض في عهد جيمي كارتر، وأكثر من هذا انتقل بيرل مباشرة من الاتهام ليشغل منصب مساعد وزير الدفاع كما قلنا! ثالثاً: لمصلحة مَن أُعد التقرير؟

 أُعد لمصلحة وزارة الدفاع التي لم يتوان بول وولفويتز مساعد الوزير في ان يتقدم أخيرا تظاهرة نظمتها الدوائر الصهيونية في واشنطن تأييدا لاسرائيل وسياسات ارييل شارون الذي ينفذ مذبحة مفتوحة ضد الفلسطينيين كما هو معروف، لكن وولفويتز ليس وحيدا في هذا، فالبنتاغون يغص بعدد كبير من «المحافظين الجدد» الذين يعكفون على تغيير القواعد التي قامت عليها سياسات الحزب الجمهوري، بحيث تحل مفاهيم «الهيمنة والتدخل» بدلاً من «الانكفاء والعزلة» التي شكلت قاعدة «مبدأ مونرو» في الماضي.

 وهكذا وسط احتشاد عقول من هذا النوع، ليس غريبا ان يتم الاستماع الى تقرير لوران مورافيتش الذي وضع على خلفية اهداف صهيونية ـ اسرائيلية مبيتة، تريد تخريب العلاقات بين واشنطن والرياض.

 يجب ان نلاحظ هنا ان التقرير المذكور يأتي في سياق حملة متصاعدة ومتسعة ضد المملكة، اتخذت ابعادا محمومة بعد تصريحات جورج بوش التي كشف فيها عشية خطابه في 22 حزيران (يونيو) الماضي، ان رؤيته المتعلقة بضرورة اقامة دولة فلسطينية الى جانب دولة اسرائيل كمدخل وحيد للتسوية في الشرق الاوسط، انما جاءت بعد تدخلات واتصالات حثيثة اجراها المسؤولون في الرياض الذين ضغطوا دائما في اتجاه اقامة الدولة الفلسطينية.

 رابعاً: اذا كانت قراءة تقرير مورافيتش قد تمت عمليا يوم 10 تموز (يوليو) فلماذا تم تسريبه الى صحيفة «واشنطن بوست» بعد شهر كامل من هذا التاريخ، أي في السادس من آب (أغسطس) الجاري؟

 من الواضح تماما ان التسريب تم على خلفية النقاش المتصاعد بين واشنطن والرياض حول المسألة العراقية، حيث تتمسك المملكة بموقفها الذي يعارض توجيه ضربة الى العراق، لأن عملا من هذا النوع سيترك آثارا سلبية كبيرة تطال المنطقة كلها وتؤذي المصالح الاميركية بالذات.

 طبعا ان هذا الموقف لا يعجب واشنطن التي لا تجد احدا الى جانبها باستثناء بريطانيا المترددة ايضا، فلا الحلفاء الاطلسيون يوافقون ولا الدول العربية أو الخليجية ولا روسيا أو الصين، على هذه الخلفية التي لا تريح واشنطن بدا نشر التقرير الشديد الغرضية وكأنه رد على زيارة وزير الخارجية الامير سعود الفيصل الى طهران والاعلان عن اتفاق في معارضة اي ضربة للعراق.

 طبعا لقد أثار التقرير عاصفة من الاستهجان والاستنكار، على الاقل لأنه شكل محاولة سافرة جديدة لتخريب علاقات اميركا التاريخية والوثيقة مع المملكة العربية السعودية.. وطبعا سارعت الادارة الاميركية، من البيت الابيض الى الى وزارة الدفاع مرورا بوزارة الخارجية، الى توضيح الامور والتأكيد على متانة العلاقات بين البلدين والقول ان التقرير لا يمثل الا وجهة نظر كاتبه.

 لقد تم تجاوز عملية التخريب الصهيونية الجديدة، وهي ليست الاولى، ولن تكون الاخيرة، ولكن ثمة ما يعيدنا هنا الى الفصل الثالث من مسرحية شكسبير «الملك لير» حيث يقول: «انها لكارثة العصر عندما يقود المجانين العميان». فالى متى يقود الصهاينة بعض الناشطين في كواليس القرار الاميركي؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق